أحمد بن عبد اللّه الرازي
549
تاريخ مدينة صنعاء ( ويليه كتاب الاختصاص للعرشاني )
طويلة تكون ثماني سنين ، في السنة أيام قليلة ، وصدقة المسجد الجامع مقبوضة بأيدي أهل الأمر والولاة في هذه المدة التي كانت المنارة فيها خرابا . وجعل في المسجد الجامع معاقيب شرقيّه ويمانيّه وغربيّه ولم يبق سوى القبليّ منه ، والحجرة التي لا سقف فيها وعقب وخزن فيه طعام السلطنة أهل الدولة مدة تكون اثنتي عشرة سنة ، طعاما كثيرا في كل هذه الجهات . فلما أن انتقلت الدولة إلى الأمير الأجلّ الأغر علم الدين ورد سار بن بيامي - جدد اللّه سعده وزكا عمله - ذاكرته في هدم هذه المعاقيب وتنظيف المسجد منها ، فأذن لي بذلك ، فهدمت المعاقيب في أيامه الشريفة - أدامها اللّه تعالى - ونقل الناس لبنها إلى بيوتهم ، وأتي بالبقر والمجارّ فأقامت البقر فيه أياما كثيرة بل أشهرا برسم جرور ما اجتمع فيه من الترب والحجارة وغير ذلك حتى تنظفت وطابت عرصاته هذه كلها قبل عمارة الجبانة . يرجع الحديث إلى عمارة المنارة المذكورة الشرقية : ثم إن هذا الأمير - أمده اللّه تعالى بالتوفيق - أمر بعمارة هذه المنارة ، فجهز لها البنائين / والجعلاء وحمّالة تحمل الجص من المحاجر ، مع أموال بذلها وسلمها ، اشتري بها جص محمول إلى المسجد ، وحضر الأمير - أعزه اللّه تعالى - عمارتها ، أكثر زمان عمارتها لا يغيب عنها إلا إذا توجه إلى غزوة يغزوها . حتى إذا وصلت العمارة إلى موضع الدرابزين فأمر بعمل الدرابزين فيها ، فعمل من ألواح جيدة حسنة مزوقة ، وسمّرت بالمسامير الحديد البليغة الغليظة . وجعل الدرابزين بنفسه من الساج ، وسمر بالمسامير ، وأحكمت صنعته ولم يعلم قط منذ الإسلام أنه كان في صنعاء منارة لها درابزين ، ولا في مخلاف جعفر ولا في جميع الجبال من بلاد اليمن ، حتى أحدث في مدينة صنعاء منارة بأمر هذا الأمير - أعلى اللّه ذكره - . ولم يكن أحد من صناع صنعاء عمل قبلها منارة بدرابزين ولا شاهدها ، وهم الذين عملوه برأي الأمير وترتيبه لهم ، لأنه قد شاهد - لا شك - في الشام جنسها ، وهو حسن الرأي ، متسع العقل ، كامل في جميع الأمور .